عمر السهروردي
580
عوارف المعارف
وأما القبض والبسط فينعدمان عند صاحب الإيمان لنقصان الحظ من القلب ، وعند صاحب الفناء والبقاء والقرب لتخلصه من القلب . وقد يرد على الباطن قبض وبسط ولا يعرف بسببهما ، ولا يخفى سبب القبض والبسط إلا على قليل الحظ من العلم الذي لم يحكم علم الحال ولا علم المقام . ومن أحكم علم الحال والمقام لا يخفى عليه سبب القبض والبسط ، وربما يشتبه عليه سبب القبض والبسط ، كما يشتبه عليه الهم بالقبض والنشاط بالبسط ، وإنما علم ذلك لمن استقام قلبه ، ومن عدم القبض والبسط وارتقى منهما فنفسه مطمئنة ، لا تنقدح من جوهرها نار توجب القبض ، ولا يتلاطم بحر طبعها من أهوية الهوى حتى يظهر منه البسط ، وربما صار لمثل هذا القبض والبسط في نفسه لا من نفسه ، فتكون نفسه المطمئنة بطبع القلب فيجرى القبض والبسط في نفسه المطمئنة وما لقلبه قبض ولا بسط ، لأن القلب متحصن بشعاع نور الروح ، مستقر في دعة القرب ، فلا قبض ولا بسط . ومنها الفناء والبقاء . قد قيل : الفناء أن يفنى عن الحظوظ فلا يكون له في شيء حظ ، بل يفنى عن الأشياء كلها شغلا بمن فنى فيه . وقد قال عامر بن عبد اللّه : لا أبالي امرأة رايت أم حائطا . ويكون محفوظا فيما للّه عليه ، مصروفا عن جميع المخافات ، والبقاء يعقبه ، وهو أن يفنى عما له ويبقى بما للّه تعالى . وقيل : الباقي أن تصير الأشياء كلها له شيئا واحدا ، فيكون كل حركاته في موافقة الحق دون مخالفته ، فكان فانيا عن المخالفات ، باقيا في الموافقات . وعندي أن هذا الذي ذكره هذا القائل هو مقام صحة التوبة النصوح ، وليس من الفناء والبقاء في شيء .